أثبت شهود العيان في المحكمة التي عقدتها ثورة 1952 لمحاكمة حاشيته ومعاونيه بعد خروجه من مصر أنه حمل معه إلى إيطاليا 22 حقيبة بها ملابسه وزوجته ناريمان وملابس الأميرات الصغيرات بالإضافة إلى مبلغ 5000 جنيه مصري علمًا بأن حسابه البنكي في سويسرا كان به 20 ألف جنيه كذلك تلقيه إعانات مالية سنوية من الأسرة المالكة السعودية نظرًا للصداقة التي كانت تربطه بمؤسس المملكة الملك عبد العزيز آل سعود و هنا أترك للقارئ مرة أخرى مقارنة ما كان يمتلكه الملك عندما تنازل عن العرش بما يمتلكه الرئيس السابق حسنى مبارك مع الأخذ فى الأعتبار غلو المعيشه.
لا يخفى على القراء الأعزاء ان التحضير للقاء آخر ملوك مصر "أحمد فؤاد الثانى" أخد منى بعض الوقت لمراجعة تاريخ مصر الحديث و المعاصر كذلك راجعت كل أصول البروتوكولات و غيرها من السمات التي تحيط بالشخصيات العامة حيث كان الموعد على غذاء فى بيته الأنيق و البسيط لكن تفوح منه رائحة الملكيه فى كل ركن من أركانه والذى يطل من بعيد على بحيرة ليمان "Leman" بجينيف العاصمة السياسية و المالية لسويسرا حيث أكبر بنوك العالم و أكثرها سرية... على عكس توقعى تماما فوجئت بإنسان فى منتهى البساطة والتواضع، دون تكلف تجعلك تتواصل معه منذ اللحظة الأولى فهو مضياف من الدرجة الأولى كعادة كل المصريين...يفهم و يتحدث اللغة العربية عكس ما يردده البعض. كان الحديث رائعا و غنى و أخد أشكال عدة بدأ من الأحداث العالمية الحالية سواء فى أوروبا أو فى منطقة الشرق الأوسط و على الأخص مصر التى لا تغيب يوما عن ذهنه. كان على الغداء الأميرة مارى جبريال "Marie Gabrielle de Savoie" أبنة آخر ملوك ايطاليا أومبرتو الثانى "Humberto II" و السيد جيوفانى روندونينى "Giovanni Rondanini" و السيدة ايدنجر "Heiniger" زوجة أحد مؤسسى شركة رولكس و المحامى المقيم بسويسرا السيد أنطوان خير الله "Antoine Khairallah" و السيد روبير سوريا و حرمه "Robert Souria" مدير سابق بالأمم المتحدة و أخيرا السيدة نيللى "Nelly" السكرتيرة الفرنسية الخاصة بالملك و التى لفتت نظرى كثيرا عن مدى أرتباطها المهنى بالشخص و المكان بل هى تكن له كل تقدير و أحترام و كلمة "جلالته" لا تفارق لسانها و كيف لا فهى من ساندته فى أوقات صعبة مر بها... لم تستطع أخفاء دموعها و تأثرها الشديد عندما أتى الحديث الى الثروة التى تركها الملك فاروق لأولاده الأميرة فريال و الأميرة فوزية والأميرة فادية و أخيرا الملك فؤاد الثانى آخر ملوك مصر بل و ظهرت مشاعر الأسى على وجهها الممتلئ و المبتسم دائما ولم تجد حرجا فى سرد بعض الحقائق مثل أضطرار احدى الأميرات الى العمل كمترجمة أو معلمة أو فى مجال الفندقة و عن المساعدات التى قدمها الملوك العرب و على الأخص السعوديين للملك فاروق.
عبر الملك عن حزنه من الدور الأعلامى منذ الأنقلاب العسكرى عام 1952 و الذى أظهر فيه أبيه فى صورة لا تمت للواقع فى شئ كمسألة شرب الخمر و الحقيقة أقول اننى لاحظت ان الملك أيضا لم يتناول أى مشروب كحولى, كما أنهم نزعوا عنه الجنسية المصرية لفترة طويله الى ان رد الرئيس الراحل محمد أنور السادات جوازات السفر المصرية له ولعائلته مما مكنه من زياره مصر فى مرات عديده. أحاطة الأصدقاء به بالأضافة الى الروح الأبوية التى يتمتع بها تشعرك بالوسط العائلى الدافئ... كان الجميع مهتم بالأحداث الراهنة بمصر و كان الملك يبدى آرائه و كأنه يعيش داخل القاهرة متابعا للأحداث بأهتمام شديد.
بعد أنتهاء الغذاء كان الحديث مطولا عن أفكار الملك و كيف يرى مصر فى ثوبها الجديد بعد الثورة وأى طريق يجب أنتهاجه للوصول الى بر الأمان، هنا دعانى على فنجان قهوة بالحجرة الشرقية حيث الديكور و الأثاث يجعلك تشعر بأنك بمصر أو بتركيا. سألته عن وجهة نظره فيما يخص الثورة و التداعيات التى أعقبتها كان رده سريعا يملؤه الحماس "ما حدث أعتبره معجزة لا يقدر عليها سوى مصريين" فالمدة التى أستمرت حتى أقصاء حسنى مبارك كانت قصيرة و تمت بشكل حضارى يليق بالمصريين و يحسده عليه بلدان كثيرة عربية و أجنبية تعانى من نفس الظروف أما ردود الأفعال فهى متوقعه فكل ثورة يعقبها فترة عدم أتزان و أجمل الثورات وأنبلها وأكثرها قدرة على الوصول بالأوطان إلى بر الأمان هى تلك التى يظل فيها الغضب حياً ولكن فقط كوسيلة لإيقاد روحها حتى تتحقق كل أهدافها، ولا يتحول الغضب إلى هدف وغاية وفى رأيى ان التحدى الذى تواجهه مصر حاليا هو التوافق الوطنى الشامل وتطبيق مبدأ «مشاركة لا مغالبة» و أنا على ثقة بان مصر بمساندة الجيش ستجد طريقها الصحيح فأنا بطبيعتى متفائل... سألته عن رأيه فى نتائج الأستفتاء حول التغييرات الدستوريه, أجاب بأن النخبة عليها بذل مزيد من الجهد للوصول الى الشعب فالنتيجة التى ظهرت على الأنترنت تخالف تماما الواقع مما يبرهن ان الغالبية المثقفة تتحاور فى نطاق لا يصل الى عامة الشعب فى شكل بسيط يتفهم دوافعه و متطلباته و هو ما يتميز به الأخوان المسلمين و السلفيين.
سألته عن أهم المشاريع التى تشغل فكره حاليا, أجاب بأنه مشغول فى التحضير لكتاب تاريخى يتناول جده القائد " ابراهيم باشا " و الاسره الملكيه العلويه, و فى رأيه انه من المهم جداً إعادة كتابة تاريخ مصر كله بما فيه فترة حكم أسرة محمد على, " حتى يستطيع الناس معرفة الحقائق التاريخية و ليس ما يدرس لهم لارضاء أهواء قامت بتزييف تاريخ مصر بعد أنقلاب 23 يوليه ". و فى عودة الى السياسة مرة أخرى سألته هل تفكر جلالتك فى الدخول الى المعترك السياسى؟ أجاب بانه يفضل المشاركه من بعد دون الدخول فى هذا الشأن خوفا من فهمه خطأ. كانت الأجابة مقتضبة على عكس طبيعته عندها أخبرته بان هناك جروب على فيس بوك "Face Book" يطالبون بعودته الى مصر والمشاركه فى الحياه السياسية بل إنه مازال يوجد حنين لدى كثير من المصريين الذين عايشوا فترة ماقبل الأنقلاب العسكرى عام 1952 (الفترة الذهبية كما يسمونها) و يأملون برؤية مصر فى ثوب جديد... رأيت عندها أبتسامة تعلو وجهه و الذى يشابه جسمانيا الى حد ما والده الملك فاروق و أضاف بأن له رؤية شخصية عبر عنها كتابة أعطاها لى و هى تحمل توقيعه و التى يلخصها فى 20 نقطة نابعة من مصرى يحب بلده و يتوق للعودة اليها يوما ما. العشرون نقطة تتلخص فى الآتى:
1- الحفاظ على شرف واحترام الجيش المصرى وسمعة النظام الداخلى (الداخلية)
2- إصلاح الجهاز الادارى للدولة ليصبح فعالا ومتكاملا. الموافقة على اى تعديلات دستورية يجب ان تكون بالغالبية العظمى للشعب عن طريق الاستفتاء، إذا كنا نريد السير على طريق الديمقراطية الصحيح.
3- استشارة السلطات الدينية للدولة
4- مراجعة نظام الزراعة
5- النهوض بالصناعة المحلية والتصدير
6- النهوض بالسياحة
7- حماية الموروث الثقافى المصرى والعربى والنهوض بالثقافة
8- احترام البيئة : يجب على الشعب وخاصة الاطفال الشعور بأهمية هذا الموضوع :(الاهتمام بنظافة الشوارع – تنقية المياه – الاهتمام بنظافة الريف)
9- الاهتمام بالصحة : بناء وفتح مستشفيات ومستوصفات جديدة
10- النهوض بالتعليم وجعله الزاميا (8 سنوات) وجعل التعليم الثانوى والجامعى فى متناول الجميع
11- الاهتمام بالرياضة وبناء ملاعب جديدة
12- ترشيد النسل بمعنى عدد اطفال اقل = تعليم افضل + صحة افضل + مستوى معيشى افضل
13- تطبيق نظام ضرائب غير مباشرة اكثر كفاءة
14- التأكد من مشاركة الطبقات المتوسطة العليا والطبقات العليا للمجتمع فى الضرائب المباشرة بشكل عادل وصحيح
15- لا تأميمات مجحفة، كما لا تهاون فى الحقوق
16- احترام القوانين واللوائح ومحاربة الفساد بكافة صوره وعلى مستويات الدولة سواء فى القطاع العام او الخاص وبالتالى ضرورة رفع مستوى الاجور للموظفين وللمعلمين.
17- التأكيد على الاقتصاد المفتوح مع الوضع فى الاعتبار حماية الفئات المحدودة والمهمشة
18- ضمان حرية الرأى والصحافة والاعلام
19- العمل على التقارب والتعاون بين دول حوض النيل باعتباره المورد شبه الوحيد للبلاد من المياه العذبة
20- حيث ان مصر دولة فاعلة وعضو بارز ومؤسس لجامعة الدول العربية، فعليها دور هام فى تقريب البلاد العربية الشقيقة سياسيا واقتصاديا.
الحديث مع جلالة الملك مشوق و نيللى "Nelly" لا تتوانى عن مداخلاتها سواء دفاعا أو مشاركة فقد أباحت "ان حبى لمصر و تعلقى بهذا البلد يعود الفضل فيه الى جلالة الملك" أختلفنا بعض الوقت حول حقبة الخديوى أسماعيل لكن حتى وقت الخلاف لا تستطيع ان تمنع نفسك من حب هذا الرجل فبالرغم من بعد المسافة بين مصر و سويسرا الا انه يشعرك بقربه الى القلب فهو ملك بحق، ملك مصرى الروح والهوى وحب مصر يسرى فى عروقه كأى مصرى عاش فيها او اغترب عنها ولكن عشقه لها لايزال ينبض به قلبه حبا وحماسا ووطنية